ساسي سالم الحاج

105

نقد الخطاب الاستشراقي

نزل إليه حتى أصبح قريبا منه وأوحى إليه بآية قرآنية . وثانيهما : أتاه نفس الملك بالقرآن من سدرة المنتهى ، عندها جنّة المأوى ، إذ يغشى السّدرة ما يغشى . ويذكر « وات » أن هذه الرؤى قد وردت في القرآن لتأكيد رسالة محمد التي أصبحت موجهة للناس عامة ، وأن ما رآه هو وحي موحى به من اللّه . ولهذه الرؤى قيمة موضوعية صحيحة لأنها ليست صادرة عن هلوسة ، أو اخترعت بطريقة تعسفية ، كما كانت لهذه الرؤى آثار على محمد ذاته حينما يتبدى له المستقبل مظلما متشائما فإنه يدعو هذه الرؤى لتطمينه وتأكيد إيمانه برسالته المقدسة « 1 » . يقول « وات » : « إن محمدا اعتقد للوهلة الأولى أن الكائن العظيم « الملك » الذي أتى إليه كان اللّه ذاته . ثم فكّر مؤخرا أن ذلك نوع من الملائكة الكبار يدعى « الروح » وأخيرا عرف أنه ملك يدعى « جبريل » وربما كان سبب تغيير مفاهيم هذا الملك لديه عائدا إلى تأثّره بالتعاليم اليهودية التي لا تبيح رؤية اللّه ، ومع ذلك فإنه لا يهم التفسير الضّيق لهذه الرؤى بمقدار ما يهم أن محمدا أصبح بموجبها يعتقد اعتقادا جازما أنه مبعوث العناية الإلهية في مهمة خاصة » « 2 » . هناك روايات متناثرة أشارت إلى حالة الرسول التشاؤمية بعد نزول الوحي الإلهي عليه ، وقد بلغ به اليأس والقنوط من الشدة بحيث حاول الانتحار وذلك بإلقاء نفسه من قمم الجبال الصخرية إلى قاع الوديان ، وكيف أنه لم يذهب في مشروعه الانتحاري إلى نهايته لأن الملك « جبريل » تبدّى له وأبلغه قائلا : « أنت رسول اللّه » . ويقول وات بالخصوص : إذا كانت هذه الرواية صحيحة من الناحية التاريخية فإن محمدا كان يفرّق بين رؤاه السابقة وبين هذه الحادثة الأخيرة التي أبلغه فيها جبريل أنه أصبح رسول اللّه . ويقول وات : إنه إذا رغبنا في معرفة مستقبل محمد فإنه لا يجب علينا أن ننسى مطلقا تجربته الأولى . فمحمد كانت تعتريه نوبات من الشك حول رسالته ، ولكنه لم يفند اعتقاده مطلقا : أنه مدعو من اللّه لتبليغ هذه الرسالة . وهذا الاعتقاد الراسخ في أعماق ضميره قد سانده في مواجهة معارضيه ، والماكرين به . والمشهرين به ومضطهديه . وعندما اكتسب النجاح الأول في دعوته تعمقت هذه العقيدة في نفسه وترسّخت في

--> ( 1 ) WATT ( M . ) Mahomet , Payot , op . cit , p . 15 - 16 . ( 2 ) Ibid , op . cit , p . 16 .